• عدد المراجعات :
  • 1276
  • 11/8/2014
  • تاريخ :

العلاّمة الطباطبائي و الفلسفة

العلاّمة الطباطبائي

إذا كان المراد من الفلسفة : هو التفكير في صحيفة الكون ، والوقوف على القوانين السائدة عليها .

فقد وقع هذا : محط اهتمام القرآن الكريم ، وأحاديث العترة الطاهرة.

فإذا كانت الفلسفة : تعني ذلك المعنى ، فيستحيل أن يشجبه القرآن .

كيف و هو يدعو : إلى التفكير والتعقل والتدبر والنظر في ملكوت السماوات والأرض .

يقول سبحانه : { قُلْ هَلْ يَسْتَوى الأعْمى وَالْبَصير أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50)} الأنعام .

وقوله سبحانه : { يَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالأرْض (191)} آل عمران.

وقوله سبحانه : { قُل انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالأرْض(101) } يونس.

هذه الآيات ونظائرها : وما ورد في أحاديث العترة الطاهرة تحث الاِنسان على التفكر في الكون ونبذ التقليد.

نعم لا يصحّ لمسلم أن يقلِّد منهجاً فلسفياً لاِنسان غير معصوم ويعتنق كلّ ما يقول دون فرق بين سقراطه وأرسطاطاليسه أو فارابيّه وسينائه، والاِنسان الواعي يأخذ من كلّ منهج ما وافق البرهان وأورث اليقين، فله أن يرتشف من كلّ معين.

كان العلاّمة الطباطبائي من تلك الثلة الأخيرة، فكان ميّالاً بفطرته إلى التفكير في المسائل الكلية العائدة إلى الكون وقوانينه ، ولأجل هذا الميل الفطري طاف على المناهج الفلسفية المختلفة المشائية والاِشراقية، ولم يقتصر على ذلك ، بل قرأ شيئاً كثيراً ممّا يرجع إلى الفلسفة الموروثة من حكماء اليونان وإيران والهند فخرج بحصيلة علمية ضخمة.

ولأجل إحاطته بتلك المناهج الفكرية : كان يقول شيئاً لا يصحّ أن يتفوه به غيره إلاّ لمن له اطلاع واسع بالمناهج الفلسفية كان يقول:

لا يوجد في المناهج الفلسفية : الغابرة والحاضرة من يقول بالشرك في الذات، ولو كان هناك شرك فإنّما هو في المراتب الدانية.

انّه قدَّس سرَّه : كان متضلعاً في الفلسفة الإسلامية قلما يتّفق نظيره .

وهو يصف تكامل الفلسفة على يد المسلمين و يقول:

لم تكن المسائل الفلسفية : الموروثة عن حكماء اليونان تتجاوز يوم ترجمت عن مائتي مسألة ، ولكنّها تكاملت على يد الفلاسفة المسلمين وبلغت أوجها حتى بلغت سبعمائة مسألة .

هذا نصّ ما قاله الأستاذ : في مقالة كتبها في الذكرى المئوية الرابعة لميلاد صدر المتألهين الشيرازي .

ويا ليت الأستاذ يشير في رسالته إلى ذينك الاَمرين:

الأول: تمييز المسائل الفلسفية الموروثة عن اليونان ، عن المسائل الفلسفية التي أسسَّها فلاسفة الإسلام .

الثاني: الإشارة إجمالاً إلى عناوين المسائل التي أسّسها حكماء الإسلام ، ليقف عليها القارئ عن كثب.

وكانت من أُمنيّاته :

ترتيب المسائل الفلسفية : ترتيباً منطقياً ، بنحو تكون المسألة الأولى أساساً للمسألة الثانية ، وتستنبط الثانية من المتقدمة ، كما هو الحال في المسائل الرياضية والهندسية.

وقد نجح إلى حدّ كبير : في تحقيق أُمنيّته تلك ، عبْر كتابيه «بداية الحكمة» و «نهاية الحكمة» . و بذلك مهّد السبيل : للمبتدئ في الكتاب الأول، والمنتهي في الكتاب الثاني.

موَسس نظريات فلسفية :

إنّ شأن أكثر المتضلعين في فن : هو الاِحاطة بمسائله ودقائقه ، دون أن يتعدّى جهودهم عن ذلك الشأن ، بيد أنّ ثمة نوابغ قلائل يتجاوزون عن هذا الحدّ ، ويبلغ بهم نبوغهم بمكان إلى تأسيس نظريات وقواعد وأُصول في ذلك الفنّ ، لم تكن تعرف من ذي قبل .

وهذه الثلة : لا يتجاوز عددها عدد الأصابع .

وسيدنا الأُستاذ : من تلك الثلة فهو وراء إحاطته بالمسائل الفلسفية المتداولة ، قد طرح و كشف نظريات وقواعد فلسفية لم تكن تعرف قبله .

وإليك الإشارة إلى بعض هذه الأصول:

أ. تفكيك الحقائق عن الاعتباريات :

الحقائق : عبارة عمّا له عين في الخارج وواقعية ، كما إنّ الاعتباريّات عبارة عن الأمور الوضعية القائمة بذهن المعتبر من دون أن تكون لها أية واقعية في الخارج .

وهذا يتجلى في قولنا : زيد زوج لهند ، فكلّ من زيد و هند من الأمور الحقيقية ، ويشار إلى كلّ واحد بالعين والبنان ، ولكن الزوجيّة التي تربطُهما ليست أمراً حقيقياً واقعياً ، بل أمراً اعتبارياً اعتبره المقنن لآثار اجتماعية وأخلاقية وغيرهما ، ولذلك ربما يُلغى اعتبار الزوجية باعتبار آخر وهو طلاق الزوج زوجته.

وأمّا ما هو منشأ الاعتبار : ومن أين ينتقل الإنسان إلى الأمور الاعتبارية ، فهو ذو شجون لا يسع المقام لبيانه.

و من خصائص العلوم الحقيقية : صحّة إقامة البرهان على مسائلها ، وإنهاء الدليل إلى أُمّ القضايا كامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، بخلاف المسائل الاعتبارية فإنها تأبى عن إقامة البرهان عليها.

بل الملاك في صحّة الأمور الاعتبارية اجتماع أمرين:

أ. وجود الاَثر للاعتبار : فلو لم يكن له أثر اجتماعي يكون أمراً لغواً.

ب. أن لا يكون المعتبر مناقضاً في اعتباره : لانّ التناقض يوجب سلب الاعتماد على الاعتبار، هذا هو واقع الأمر، غير إنا نرى إنّ أكثر المتخصصين في العلوم الاعتبارية كالآداب والفقه والأصول يعتمدون ـ إلى حدّ بعيد ـ على البرهان الفلسفي ، فكم نرى بين الاستدلالات على مسألة صرفية أو نحوية أو فقهية، الاستدلال بالدور والتسلسل وغير ذلك ممّا يختص بالأمور الكونية.

وقد نجح سيدنا الأستاذ : نجاحاً باهراً في فصل الاعتباريات عن الحقائق .

فألف رسالة «الحقائق والاعتباريات» : وبحث في واقع الاعتبار ومنشئه بحثاً عميقاً وبكراً ، ثمّ نقلها إلى اللغة الفارسية وطبعت مع كتابه «أُصول الفلسفة».

ولم يقتصر على ذلك : فقد طرح المسائل الاعتبارية في الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشرة في كتاب «نهاية الحكمة».

ونحن نوافق الأستاذ : في كلّما أفاده في تفكيك الحقائق عن الاعتباريات .

إلاّ في مسألة : التحسين والتقبيح العقليين ، فإنّهما عندنا ليسا من الأمور الوضعية ، بل لحكم العقل هناك منشأ تكويني ، أوضحنا حاله في محاضراتنا «التحسين والتقبيح العقليين».

استنتاج خمس وسبعين مسألة فلسفية :

ألّف الأستاذ رحمه الله : رسالة في القوة والفعل، وكشف النقاب عن خمس وسبعين مسألة فلسفية لها صلة وثيقة بالقوة والفعل .

ومن مزايا تلك الرسالة : تبيين الحركة الجوهرية التي أسّسها صدر المتألهين ببيان رائع لم يسبق إليه أحد .

و كشف في ثنايا بحثه : عن كون الزمان بعداً رابعاً للجواهر ، و هذه المسألة وإن سبقه صدر المتألهين في باب الحركة الجوهرية .

غير أنّ الأستاذ : وصل إليها ببيان فلسفي دقيق ، يتضمن تبيين سيلان العالم ، وعدم ثباته .

وأثبت إنّ القرار والثبات : من خطأ الحس ، وليس للعالم واقعية سوى الحركة والسيلان والانصرام .

و لإنّ العالم بجواهره وأعراضه : يسيران معاً إلى الغاية المنشودة من إيجاده ، وهذا أمر لا مجال للخوض فيه في هذا المقال.

ج. تقرير برهان الصديقين بوجه رائع :

إنّ برهان الصديقين : من أشرف البراهين الفلسفية التي اعتمد عليه أعاظم الحكماء، نظير : ابن سينا ، والمحقّق الطوسي ، وصدر المتألهين.

ولخصه المحقّق الطوسي بقوله : الموجود إن كان واجباً ، وإلاّ أستلزمه ، لاستحالة الدور والتسلسل.

انظر شرح الاشارات للمحقّق الطوسي: 3|18 وكشف المراد: المقصد الثالث في إثبات الصانع.

ترى انّ العلمين الأولين : اعتمدا في بيان البرهان على إثبات الصانع على استحالة الدور والتسلسل .

وجاء بعدهما : صدر المتألهين ، فنقدهما بأنّ هذا البيان غير برهان الصديقين .

فانّ برهانهم : لا يعتمد في إثبات الواجب على شيء وراء الوجود ، فإدخال الدور والتسلسل في بيان البرهان ، يضادّ ذلك البرهان .

ثمّ بيّن طريقته : في إثبات اللّه سبحانه من دون أن يعتمد في إثباته على وسائط.

وقد شحذ ذلك البيان عقول الحكماء : فصاروا إلى بيان برهان الصديقين ببيان لائق لمقامهم ، وهو الاستغناء في إثباته سبحانه عن الاعتماد على غيره، أو شيء من خلقه وفعله .

فبيّنه الحكيم السبزواري ك ببيان أفضل ممّا بيّنه صدر المتألهين .

كما إن سيدنا الأُستاذ : استدرك على الجميع ، فبيّنه في تعليقته على الجزء السادس من الأسفار ببيان رائع ، يقف على عظم بيانه ودقة تقريره ، كلّ من له إلمام.

د. حقائق لا تدخل تحت مقولة خاصة :

إنّ الكلام الموروث : عن أرسطو هو أن الجواهر والإعراض ، يقعان تحت مقولات عشر .

فالجوهر : مقولة واحدة .

والعرض : مقولات تسع ، وهي : الكم ، الكيف، الوضع ، الأين ،متى ، الجدة ، الفعل، الانفعال ، الإضافة، وكلّ ما في الكون داخل تحت واحدة من هذه المقولات.

ثمّ إنّهم : جوّزوا الحركة في الأقسام الأربعة الأولى من العرض دون الباقي .

وجوّز صدر المتألهين : الحركة في الجوهر أيضاً .

ثمّ إنّهم اختلفوا : في حقيقة الحركة ، وإنّها داخلة تحت أيّ مقولة من المقولات .

فواصلوا البحث : إلى أنّ الحركة في كلّ مقولة نفس تلك المقولة ، فالحركة في الكم من مقولة الكم ، والحركة في الكيف من مقولته ، و هكذا.

إلاّ أنّ سيّدنا الأستاذ : استنتج من هذه البحوث قاعدة فلسفية .

وهي : أنّ كلّ ما يتحقّق في أكثر من مقولة ، فهو لا يدخل تحت مقولة خاصة .

فالحركة : بما أنها تتحقق في أزيد من مقولة واحدة ، لا يمكن تحديدها بمقولة من المقولات .

ثمّ إنّه عطف على ذلك : « العلم» و«الوحدة».

فالعلم : كما يتعلّق بالكيف ، يتعلق بالكم ، كما يتعلّق بالجوهر .

فمثل ذلك : لا يمكن تحديده بحدّ خاص ، وجعله تحت مقولة خاصة .

وهكذا الحال في حقيقة : «الوحدة» في الواجب والممكن .

فهذه القاعدة : وإن أشار إليها الحكيم السبزواري في مبحث الوجود الذهني ، ولكنّه لم يطرحها كقاعدة فلسفية شاملة .

هـ . التقريب بين الفلسفتين: الإسلامية والغربية :

إنّ المسائل الفلسفية : التي أقام دعائمها ديكارت ، كانت ، هيجل ، و غيرهم من عباقرة الغرب ، عبارة عن مسائل عامة لا تختص بعلم دون علم ، بل تَعُدّ نتائج كلية لجميع العلوم.

وأمّا الفلسفة الإسلامية : فهي تعتمد على البراهين العقلية المستمدة من الأمور البديهية ، ولا تعتمد في إثبات قواعدها على نتائج العلوم أبداً .

ولذلك تراءت الفلسفتان : كأنّهما فلسفتان متباينتان ليس بينها صلة .

ولكن الأستاذ رحمه الله : نجح في تقريب الفلسفتين في المسائل والغايات ، على وجه حصل التقارب بين الفلسفتين ، ويظهر ذلك من خلال قراءة كتابه «أُصول الفلسفة الإسلامية».

وليس هذا أمراً غريباً : فقد قام قبله صدر المتألهين بمحاولات للتقريب بين الفلسفة المشائية والاِشراقية .

والتي تعتمد الأولى : على البرهان واليقين .

والثانية : على الكشف والشهود .

من خلال تهذيب النفس : فقد جمع صدر المتألهين بين الفلسفتين ، كما انّه نجح في الجمع بينهما و بين ما جاء في الكتاب والسنّة.

المصدر:

تذكرة الأعيان :لآية الله العلامة الشيخ جعفر السبحاني

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)